هشام جعيط
158
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
واسع من الابتكار السريع ، وجانب من الإرث المتلقى جاهزا من عمل الرسول ( كان الرسول يخطط ويقطع القطائع في المدينة وفي غيرها ، كما جاء في السنّة ) « 1 » . ويوجد جانب استيعابي في مجال التمدين في بلاد العرب وعلى حواشيها ، وكذلك جانب من استبطان التصورات الثقافية الخارجية - لكن ما هي هذه التصورات ؟ - ولنلاحظ تفوق التخطيط في هذه الفترة التكوينية على الهندسة المعمارية ذاتها التي سيأتي دورها فيما بعد . وتبدو الكوفة في الحركة العامة لتاريخ التمدين بمثابة الحلقة الأولى من سلسلة هائلة من الإنشاءات شهدها القرنان الأول والثاني من الهجرة ، وبلاد الرافدين أكثر من غيرها . ومن المؤرّخين من فكّر في مقارنة هذه الظاهرة بإنشاءات الإسكندر وخلفائه « 2 » التي هي علامات على المسيرة الساحقة للفاتح العظيم . وهي مقارنة أكثر سدادا مما يعتقد ، لو أدركنا ، بعيدا عن فكرة « العمل التحضيري » أو « إرادة التمدين » ، السبب الأساسي الذي من أجله قام هذا العمل غداة فتح كبير هنا وهناك أي عند اليونان وعند العرب . لقد تعلق الغرض بإقرار شعب طارىء ، Alloge ? ne ، وبتأسيس نقط استيطان هي بمثابة العلامات للهلينية والعروبة . وهكذا ، فإن الرجوع إلى الماضي يفرض نفسه لنحاول تحسين إدراكنا للصورة الأولى التي كانت عليها الكوفة - ذلك النموذج الأصلي - وأيضا للبيئة التاريخية التي انصهرت فيها . وهنا يحق القول إننا بإزاء قضية تاريخ شمولي أكثر مما نحن أمام قضية تمصيرية أو معمارية .
--> ( 1 ) لسان العرب ، ج 8 ، ص 281 . ( 2 ) Maurice Lombard , « L'e ? volution urbaine pendant le haut moyen a ? ge » , Annales , Economie , Socie ? te ? , Civilisation , 12 ( 1 ) 1957 , pp . 7 - 28 , reproduit dans Espaces et Re ? seaux du Haut Moyen Age , pp . 47 - 72 ; L'Islam dans sa premie ? re grandeur , Paris , 1971 , p . 122 .